الـحـدث

الأرشيف
نظام الاقتصاد الإسلامي فريد من نوعه

 

     و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يطبق مبدأ التدخل هذا حين تقضى الحاجة و يتطلب الموقف شيئا من التدخل و التوجيه . و من أمثلة ذلك ما جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة و السلام قضى بين أهل المدينة في مشارب النخل : " إنه لا يمنع نفع الشيء" و قضى بين أهل البادية : " إنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء "و قال : " لا ضرر و لا ضرار ". فإن من الواضح لدى الفقهاء الكرام أن منع نفع الشيء  أو فضل الماء ليس محرما بصورة عامة في الشريعة المقدسة. وفي هذا الضوء  نعرف كما قال الأستاذ الشهيد السيـد محمد بـاقر الصدر في كتابـه " اقتصادنا ": أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يحرم على أهل المدينة منع نفع الشيء أو منع فضل الماء بصفته رسولا مبلغا للأحكام الشرعية العامة وإنما حرم ذلك بصفته ولي الأمر المسؤول عن تنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع وتوجيهها توجيها لا يتعارض مع المصلحة العامة التي يقدرها. و قد يكون هذا هو السبب الذي جعل الرواية تعبر عن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء لا بالنهي نظرا إلى أن القضاء لون  من الحكم.

 

   والركن الثالث في الاقتصاد الإسلامي هو مبدأ العدالة الاجتماعية التي جسدها الإسلام فيما زود به نظام توزيع الثروة في المجتمع الإسلامي من عناصر و ضمانات تكفل للتوزيع قدرته على تحقيق العدالة الإسلامية و انسجامه مع القيم التي يرتكز عليها. فلا يكفي أن نعرف من الإسلام مناداته بالعدالة الاجتماعية و إنما يجب أن نعرف أيضا تصوراته التفصيلية للعدالة و مدلولها الإسلامي الخاص .

 

    و الصورة الإسلامية للعدالة الاجتماعية تحتوى على مبدأين عامين لكل منهما خطوطه و تفصلاته: أحدهما: مبدأ التكافل العام  والآخر مبدأ التوازن الاجتماعي. و في التكافل و التوازن بمفهومهما الإسلامي تحقق القيم الاجتماعية العادلة، و يوجد المثل الإسلامي للعدالة الاجتماعية . . .

 

   و خطوات الإسلام التي خطاها في سبيل إيجاد المجتمع الإنساني الأفضل عبر تجربته التاريخية المشعة كانت واضحة و صريحة في اهتمامه بهذا الركن الرئيسي من اقتصاده. و قد انعكس هذا الاهتمام بوضوح في الخطاب الأول الذي ألقاه النبي صلى الله عليه و سلم و في أول عمل سياسي باشره في دولته الجديدة.

 

    فإن الرسول الأعظم دشن بياناته التوجيهية كما في الرواية، بخطابه هذا : " أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم، تعلمن و الله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا و أفضلت عليك ؟ فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا و شمالا فلا يرى شيئا ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم . فمن استطاع أن يقي وجهه من النار و لو يشق تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإنها تجزى الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف و السلام عليكم ورحمة الله و بركاته ".و بدأ صلى الله عليه وسلم عمله السياسي بالمؤاخاة بين المهاجـرين و الأنصـار رضوان الله عليهم جميعـا، و تطبيق مبدأ التكافل بينهم بغية تحقيق العدالة الاجتماعية التي يتوخاها الإسلام .

 

     فالاقتصاد الإسلامي يتصف بالواقعيـة في الغاية و الطريقـة و بالأخلاقية. فهو اقتصاد واقعي في غايته لأنه يستهدف في أنظمته و قوانينه الغايــات التي تنسجم مع واقع الإنسانـية بطبيعتهـا و نوازعها و خصائصها العامة و يحاول دائما أن لا يرهق الإنسانية في حسابه التشريعي و لا يحلق بها في أجواء خيالية عالية فوق طاقاتها و إمكاناتها. و هو واقعي في طريقته لأنه حين يستهدف مثلا إيجاد التكافل العام في المجتمع لا يتوسل إليه بأساليب التوجيه و استثارة العواطف فحسب و إنما يسنده بضمان تشريعي ، يجعله ضروري التحقيق على كل حال. و الصفة  الأخلاقية تعنى أن الإسلام لا يستمد غاياته التي  يسعى إلى تحقيقها في حياة المجتمع الاقتصادية من ظروف مادية و شروط طبيعية مستقلة عن الإنسان نفسه كما تستوحي الماركسية غاياتـها من وضع القوى المنتجـة و ظروفها، و إنما ينظر إلى تلك  الغايات بوصفها معبرة عن قيم عملية ضرورية التحقيق من الناحية الخلقية .ولا غرو أن يكون للإسلام هذا الاهتمام بالعامل النفسي و هذا الحرص على  تكوينه روحيا و فكريا ، طبقا لغاياته و مفاهيمه. فإن لطبيعة العوامل الذاتية التي تعتلج في نفس الإنسان، أثرها الكبير في تكوين شخصية الإنسان، و تحديد محتواه الروحي كما أن للعامل الذاتي أثره الكبير على الحياة الاجتماعية  ومشاكلها و حلولها.

 


صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9