الـحـدث

الأرشيف
الأهداف التي نريدها لتربيتنا المتجددة (1

 

     نستنتج من هذه التساؤلات والمحاكمات العقلية كما قال الأستاذ الفاضل عبد الله ناصح علوان في كتابه " تربية الأولاد " أن الإنسان خلق مستعدا للخير والشر جميعا , فإذا تيسرت له التربية الصالحة والبيئة الصالحة , نشأ على خير ما ينشأ من الإيمان الخالص  والأخلاق الفاضلة , وحب الفضيلة والخير وكان في المجتمع إنسانا مؤمنا فاضلا كريما . أما أن هذه الدعوة منقوضة تجربة لما لوحظ في عالم الإنسان أنه كم من فاجر ظـالم أصبح على يد رفيق صـالح أو داعية مخلص , من كبار الأتقياء ومن أعلام الأبرار السعداء . كما لوحظ أيضا في عالم الحيوان أن الإنسان استطاع أن يهذب سلوك الوحوش ويرقصها ويأمرها بما شاء فتطيعه ... فإذا كان هذا هو الشأن في غرائز العجوموات , فكيف بالغرائز الإنسانية التي أثبت علم النفس المقارن أنها أسلس قيادا وأعظم مرونة بسبب تعارضها وتنوعها وقبولها للمزج والتعديل والتقويم .ومما لوحظ كذلك في عالم النبات أن البذرة حين يرعاها الفلاح ويحميها من المؤذيات ويتعهدها بالماء والسماد ... فإنها تؤتي أكلها بإذن ربها وينتفع بثمارها القاصي والداني ... وأما إذا أهملها وتركها لأحوال الطبيعة تصبح عما قليل هشيما تذروه الرياح وتتقاذفه الأعاصير .

 

  فكذلك النفس البشرية وما فيها من قابليات واستعدادات وسجايا وجبلات. حينما تتعهدها بالأخلاق الفاضلة وتمدها بماء العلوم والمعارف وتردفها بالعمل الصالح فإنها تنشأ على الخير وتدرج على الكمال ويكون صاحبها كالملك يمشي في الناس . أما إذا أهملها وتركها للأيام حتى علاها صدأ الجهل , وغشيتها عدوى خلطاء السوء , وتراكم عليها أنقاض العادات الذميمة , فإنها بلا ريب تنشأ على الشر والفساد , وتتقلب في مستنقع التحلل والإباحية ويكون صاحبها كالوحش الأعجم يمشي في الناس ويظن نفسه من الأناسي الكرام .

 

  والذي نخلص إليه بعدما تقدم , أن دعوى الذين يقولون إن الطباع الإنسانية من شر أو خير لا يمكن تغييرها ولا تعديلها هي في الحقيقة دعوى باطلة ينقضها الشرع ويردها العقل وتكذبها التجربة والمشاهدة ويبطلها الجمهرة الغالبة من علماء النفس والتربية والأخلاق . وعن تأثير سلوك المربي في الولد يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في "الإحياء ": " والصبي أمانة عند والديه , وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة , فإن عوّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك ... وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ". وذهب العلامة ابن خلدون رحمه الله في مقدمته مذهب الغزالي في قابلية الولد واستعداده وإمكانية إصلاحه بعد فساده ... بل كثير من فلاسفة الغرب أو الشرق ذهب هذا المذهب وسلك ذلك الاتجاه .  

 

     فعلى المربي  إذاً أن يميز في إصلاح الفرد وتقويم اعوجاجه بين عمرين وأن يفرق في تعويده وتأديبه بين سنين.فالكبار لهم منهجهم وطريقتهم , والصغار لهم كذلك منهجهم وطريقتهم .

 

      فمنهج الإسلام وطريقته في إصلاح الكبار ( وهو سن ما بعد البلوغ ) يعتمد على أمور أساسية ثلاثة وهي: الربط بالعقيدة وتعرية الشر وتغيير البيئة:أما الربط بالعقيدة فهو من أعظم الأسس في استمرار المؤمن على مراقبة الله تعالى . ولا شك أن العبادات بكليتها والأذكار والأوراد بجملتها وتلاوة القرآن وتدبره آناء الليل وأطراف النهار, واستشعار العظمة الإلهية في كل الظروف والأحوال , والإيقان بالموت وما بعده والإيمان بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين فيه , والاعتقاد بعوالم الآخرة وأهوال يوم القيامة.. كل ذلك يوَلِّد في المؤمن استمرارية المراقبة لله عز وجل وتجعل منه الإنسان المستقيم المتوازن الذي يبني توازنه في الحياة على التوفيق بين مطالب الروح ومطالب الجسد . وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة وشعاره في كل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام :" إن لله عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه " .


صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9