الـحـدث

الأرشيف
الأهداف التي نريدها لتربيتنا المتجددة (1

 

أما تعرية الشر فهو من أعظم السبل في إقناع الكبار على ترك المنكر والنفور من الفساد والآثام .

 

وهذه التعرية للشر و الانفضاح للباطل هي الطريقة التي اتبعها القرآن الكريم في إقناع الجاهلية بنبذ تقاليدها وعاداتها وهجر شرورها وآثامها … قال تعالى في سورة المائدة : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون "(90-91). فما معنى أن القرآن أشرك الخمر بالميسر والأصنام ثم وصفها بأنها رجس ثم نبه أنها من عمل الشيطان ثم ذكر مضارها الخلقية بكونها توقع بين الناس العداوة والبغضاء , وأعقب ذلك مضارها الدينية بكونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ؟ فما معنى كل هذا ؟ أليس معناه أن الخمر قد تعرت على حقيقتها و بان لأهل الحجى و العقول مساويها و خطرها ؟ ألا ترى أنه بعد أن انفضحت الخمر على رؤوس الأشهاد قام الصحابة الكرام يهللون ويقولون انتهينا , فرحين بهذه البشارة الربانية…

 

     وقس على ذلك تحريم القرآن الكريم لكل المعتقدات الجاهلية , والمفاسد الاجتماعية كالإشراك بالله والزنى والربا والميسر ( القمار بكل أنواعه ) وقتل النفس بغير حق ووأد البنات وأكل مال اليتيم وغيرها من الموبقات المهلكات . فإن القرآن الكريم لم يحرمها إلا بعد  أن عراها على حقيقتها وذكر الكثير من مساويها , وأهاب بأصحاب العقول الراجحة أن ينفروا منها ويبتعدوا عنها لكونها تؤدي بالفرد والمجتمع إلى أسوأ النتائج وأقدح الأخطار…أما تغيير البيئة فهو لا يقل أهمية عن الأسس الأخرى في إصلاح الفرد وهدايته وتربيته وإعداده ... وإلا فلماذا أذن الله سبحانه لرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام بالهجرة من مكة حيث كانت تعبد الأصنام من دون الله إلى المدينة المنورة ؟ ولماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة أول الأمر إلى الحبشة في جوار الملك الصالح "النجاشي" رحمه الله ومن بعد إلى المدينة المنورة ؟ أليس من أجل التكوين والإعداد في بيئة صالحة لا يباح في نواديها المنكر ولا تقترف في ربوعها الآثام والمحرمات ؟ أليس من أجل إصلاح الفرد المسلم في مجتمع يحكمه الإسلام ويتنزل عليه القرآن ؟ بلى والله !

 

     فبالربط بالعقيدة يتولد عند الكبير الشعور بالمراقبة والخشية من الله في السر و العلن وهذا ما يحمله على التحلي بالفضائل ... وبتعرية المنكر والشر يقتنع الكبير بترك المفاسد ويتعبد عن علم ودراية ويعزم على التخلي عن الرذائل ... وأما بتغيير البيئة فيتهيأ لإصلاح الوسط الخير والجو الصالح وحياة الشرف والكرامة .

 

   فما على المربين الاجتماعيين إلا أن يأخذوا بمنهج الإسلام في إصلاح الكبار إن أرادوا الخير لأمتهم قال تعالى : " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين " . ( يوسف /108) .

 

أما منهج الإسلام في إصلاح الصغار فيعتمد على التلقين والتعويد,والمراد بذلك الجانب النظري والعملي في الإصلاح والتربية . فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر المربين أن يلقنوا أولادهم كلمة " لا إله إلا الله " لما روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهمـا عن النبي صلى الله عليه وسلم قـال: " افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله ". وهذا هو الجانب النظري. أما الجانب العملي لهذا التلقين فهو تهيئة الولد وتعويده أن يؤمن بقرارة نفسه وأعماق وجدانه أنه لا خالق ولا مبدع ولا معبود بحق إلا الله ولا يكون ذلك إلا عن طريق آثار صنع الله في الطبيعة والأكوان فيصل المربي بالطفل إلى  أن كل ما يراه من حوله صنعة أوجدها الله سبحانه وتعالى ولم توجد نفسها  بنفسهـا.

فلا يمكن مثلا لألواح متفرقة أن تتحد على شكل سفينة وتسير في البحر بلا صانع يصنعها أو قائد يغوص بها في الأمواج ..

 

 

صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9