الـحـدث

الأرشيف
الأهداف التي نريدها لتربيتنا المتجددة (1

 

من جوانب التربية المحمدية لهذه الأمة المجيدة

 

      إن نظام المؤاخاة لم يكن جاهليا إنما هو نظام استحدثه الإسلام بعد الهجرة لمواجهة حالة المهاجـرين الذين تركوا أموالهم و أهليهم في مكة ، و مواجهة الحالة كذلك بين المسلمين في المدينة ممن إنفصلت علاقاتهم بأسرهم نتيجة لإسلامهم، وذلك مع تقرير الولاية العامة للنبي صلى الله عليه وسلم  ،  و تقديمها على جميع ولايات النسب و تقرير الأمومة الروحية بين أزواجه عليه الصلاة و السلام و جميع المؤمنين .قال تعالى :" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين و المهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا ."(الأحزاب/6).

 

      لقد هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة تاركين وراءهم كل شيء فارين إلى الله بدينهم مؤثرين عقيدتهم على وشائج القربى وذخائر المال و أسباب الحياة .كذلك وقع في المدينة  شيء من هذا في صورة أخرى. فقد دخل في الإسلام أفراد من بيوت وظل آخرون فيها على الشرك فأنبتت العلاقة بينهم وبين قرابتهم .   ووقع على أية حال تخلخل في الروابط العائلية و تخلخل أوسع منه في  الارتباطات الاجتماعية . و كان المجتمع الإسلامي لا يزال وليدا و الدولة الإسلامية الناشئة أقرب إلى أن تكون فكرة مسيطرة على النفس، من أن تكون نظاما مستندا إلى أوضاع مقررة .هنا ارتفعت موجة مـن المد الشعوري للعقيدة الجديدة ، تغطى على كل العواطف و المشاعر و كل الأوضاع و التقاليد و كل الصلات و الروابط لتجعل العقيدة وحدهـا هي الوشيجة التي تربط القلوب ، و تربط في الوقت ذاته الوحدات التي انفصلت عن أصولها الطبيعية في الأسرة و القبيلـة ، فتقوم بينهـا مقـام الدم و النسب ، و المصلحة و الصداقة و الجنس   و اللغة و تمزج بين هذه الوحدات الداخلة في الإسلام فتجعل منها كتلة حقيقية متماسكة متجانسة متعاونة  و متكافلة ، لا بنصوص التشريع ولا بأوامر الدولة ،ولكن بدافع داخلي و مد شعوري ،يتجاوز كل ما ألفه البشر في حياتهم العادية . وقامت الجماعة الإسلامية على هذا الأساس حيث لم يكن مستطاعا أن تقوم على تنظيم الدولة  و قوة الأوضاع . و قرر القرآن الكريم في الوقت ذاته الولاية العامة للنبي صلى الله عليه و سلم الذي كان ميلاده نورا أضـاء كل الأفـاق و بعثته رحمة للعالمين. فولاية الرسول صلى الله عليه وسلم تتقدم حتميا على قرابة الدم بل على قرابة النفس لأنها تشمل رسم منهاج الحياة بحذافيرها ، و أمر المؤمنين فيها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليس لهم أن يختاروا إلا ما اختاره لهم بوحي من ربه : " لايؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". كما قال عليه الصلاة و السلام . و تشمل مشاعرهم فيكون شخصه صلى الله عليه و سلم أحب إليهم من أنفسهم فلا يرغبون بأنفسهم عنه و لا يكون في قلوبهم شخص أو شيء مقدم على ذاته.

 

  جاء في الصحيح : " و الذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه و ماله و ولده و الناس أجمعين. " و في الصحيح أيضا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "يا رسول الله و الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي "فقال صلى الله عليه و سلم :" لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك "فقال:" يا رسول الله و الله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي". فقال صلى الله عليـه و سلم: " ألآن يا عمر ".

 

  وليست هذه كلمة تقال و لكنها مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء الذي يخلص فيه من جاذبية الذات و حبها المتوشج بالحنايا و الشعاب .

 

   و تشمل الولاية العامة كذلك التزاماتهم . لقد جاء في الصحيح ما نصـه : " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس بـه في الدنيـا و الآخـرة ، إقرؤوا إن شئتم :" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهـم ." فأيما مؤمن ترك مالا فاليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دَيْنًا أو ضياعا فاليأتني فأنا مولاه ." والمعنى أنه يؤدى عنه دينه إن مات و ليس له مال يفي بدينه و يعول عياله من بعده إن كانوا صغارا ، وفيما عدا هذا فإن الحياة تقوم على أصولها الطبيعية التي لا تحتاج إلى مد شعوري عال و لا إلى فورة شعورية استثنائية مع الإبقـاء على صلات المودة بين الأوليـاء بعد إلغاء نظام الإخاء .فلا يمتنع أن يوصي الولي لوليه بعد مماته أو أن يهبه في حياته ." إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا . "


صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9