الـحـدث

الأرشيف
الأهداف التي نريدها لتربيتنا المتجددة (1

 

    لقد جاء الرسول صلى الله عليه و سلم من أنفُس العرب و من أنفَسهم و أشرفهم قال تعالى :" لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم. فإنتولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم .( أواخر سورة التوبة) ، فهذا الرسول الكريم بضعة من أنفسكم يشق عليه عنتكم و مشقتكم لا يلقى بكم في المهالك و لا يدفع بكم إلى المهاوى فإذا كلفكم الجهاد و ركوب الصعاب فما ذك من هوان بكم عليه ولا بقسوة في قلبه و غلظة ، إنما هي الرحمة في صورة من صورها الرحمة بكم من الذل و الهوان و الرحمة بكم من الذنب و الخطيئة و الحرص عليكم أن يكون لكم شرف حمل الدعوة وحظ رضوان الله و الجنة التي وعد المتقون ...

 

    فوظيفة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته أن يكون " شاهدا " عليهم ، فليعملوا بما يحسن هذه الشهادة التي لا تكذب و لا تزور و لا تبدل و لا تغير و أن يكون " مبشرا " لهم بما ينتظر العاملين من رحمة و غفران و من فضل و تكريم و أن يكون " نذيرا " للغافلين بما ينتظر المسيئين من عذاب و نكال . فلا يؤخذوا على غرة و لا يعذبوا إلا بعد إنذار ، و "داعيا إلى الله " لا إلى دنيا و لا إلى مجد و لا إلى عزة قومية و لا إلى عصبية جاهلية و لا إلى مغنم و لا إلى سلطان أو جاه و لكن داعيا إلى الله ، في طريق واحد يصل إلى الله " بإذنه " فما هو بمبتدع و لا بمتطوع و لا بقائل من عنده شيئا ، إنما هو إذن الله له  و أمـره لا يتعداه " وسراجا منيرا " ، يجلوا الظلمات و يكشف الشبهات و ينير الطريق نورا هادئا كالسراج المنير في الظلمات .

 

   و هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم و ما جاء به من النور جاء بالتصور الواضح البّين النير لهذا الوجود ولعلاقة الوجود بالخالق و لمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود و خالقه ،و للقيم التي يقوم عليهـا الوجود كله، و يقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه ، و للمنشأ و المصير و الهدف و الغاية و الطريق  و الوسيلة في قول فصل ، لا شبهة فيه و لا غموض . و في أسلوب يخاطب الفطرة خطابا مباشرا و ينفذ إليها من أقرب السبل و أوسع الأبواب و أعمق المسالك و الدروب .

 

    لقد حدد الرسول صلى الله عليه و سلم مهمته بقوله : " إنما بعثت معلما ."[1] و القرآن الكريم ذكر هذه المهمة الأساسية لرسول الله صلى الله عليه و سلم بصراحة فقال :" هو الذي بعث في الأميّين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين." (الجمعة/2). فقد أحصت هذه الآية من مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم التعليم و التربية ، تعليم الكتاب و الحكمة و تربية الأنفس عليهما . وكان الجانب الأعظم من حياة الرسول عليه الصلاة و السلام مستغرقا بهذا الجانب . إذ أنه هو الجانب الذي ينبع عنه كل خير و لا يستقيم أي جانب من جوانب الحياة سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو عسكريا أو أخلاقيا إلا به .

 

  و لا يؤتى الإنسان و لا تؤتي أمة و لا تؤتي  الإنسانية إلا من التفريط في العلم الصحيح و الانحراف عنه إما إلى الجهل أو إلى ما يضر علمه و لا ينفع.

------------------------------------------------------------------------ 

 1- أخرجه الإمام أحمد


صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9