الـحـدث

الأرشيف
الأهداف التي نريدها لتربيتنا المتجددة (1

 

   فالأمة بلا علم يوضح لها جوانب سلوكها ،و بلا تربية يعرف كل فرد من أفرادها واجبه ، تصبح أمة فوضوية ، تصرفاتها غير متوقعة و غير منضبطة ، و لكل فرد من أفرادها سلوك يخالف سلوك الآخر و عادات و تصورات تختلف فلا تكاد أمة تفلح بهذا و لا فرد .

 

     إن كمال المربي يظهر في مقدار ما يستطيع أن ينقل نفس الإنسان و عقله من حالة دنيا إلى حالة أعلى و كلما ترقى بالإنسان أكثر ، دل ذلك على كماله أكثر. و يظهر أيضا في سعة دائرة البشر الذين استطاع أن ينقلهم إلى كمالهم الإنساني، فكلما كانت الدائرة أوسع كان أدل على الكمال، و يظهر كذلك هذا الكمال في صلاحية هذه التعاليم و التربية و حاجة الناس جميعا إليها ، واستمرار إيتاء هذه التعاليم آثارها على مدى العصور بحيث لا يستغنى البشر عنها .. فهذا شأن التربية المحمدية لأمته المجيدة التي لا يعتريها نقص و لا تناقض و لا فتور لأنها تربية ربانية تتلاءم مع الحاجيات و الأزمان و تتكيف مع النفوس و العقول ، تربية لا شرقية و لا غربية ، تربية نورانية نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء .

 

     و لم تكن دائرة تربية الرسول صلى الله عليه وسلم محدودة بل شملت كل الجزيرة العربية بترتيب وسائل هذه التربية . فكان لا يكتفي من القبيلة بإسلامها حتى يأتيه وفدها و كان يبقي وفدها عنده في المدينة أياما ليفقه الدين الحنيف من خلال توجيهاته عليه الصلاة و السلام و سلوك صحابته الكرام حتى إذا ما أذن لهم بالرحيل أمَّر عليهم رجلا منهم و أمرهم أن يقوموا بعملية التربيـة و التعليم نيابة عنه . و كان زيادة على ذلك يرسل أصحابه أحادا أو جماعات ممن فقهوا و ربوا تربية عالية إلى كل مكان ليقوموا بدور المربي. فكان من آثار ذلك أنه خلال بضع سنوات أصبحت الجزيرة العربية واعية لدين الله مربات مهذبة إلى حد كبير بعد أن كانت في أدنى دركات الانحطاط .

 

     و كان القرآن حفظا و فهما و تطبيقا و سلوكا هو أداة هذه التربية العظيمة ، لأنه على قدر ما يستوعبه أفراد الأمة على قدر ما ترتفع أنفسها و يسمو تفكيرهـا و تتفتح آفـاق الحياة أمامهـا و لذلك جعله الرسول صلى الله عليه و سلم مقياسا للخيرة فقال في حديث أخرجه البخاري " خيركم من تعلم القرآن و علمه ."و كان يختار للأمرة أكثر النـاس أخذا للقرآن حفظا و فهما و تطبيقـا و ربّا أصحابه الكرام على ذلك كعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أصبح بهذه التربية النبوية ، رجل الدولة العظيم و رمز العدل الذي لا يكون إلا ّمعه مع الحزم و الرحمة و سعة الأفق و صدق الإدراك و حسن الفراسة ،و كعبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي أخرجته هذه التعاليم الرشيدة من كونه راعي الإبل إلى رجل بصير و حكيم و مؤسس لأكبر مدرسة في الفقه الإسلامي و التي ينتسب إليها الإمام أبو حنيفة النعمان .. يصبح الرجل الذي يقول فيه عمر لأهل الكوفة :"لقد آثرتكم بعبد الله على نفسي " .

 

وما مضت على الأمة الإسلامية إلا فترة بسيطة من الزمن حتى أصبحت لا يغلبهـا غالب فكرا أو حربا أو حضارة ، أصبحت أمة ، الحق عندها يحكم بالقوة ، والزهد عندها ترافقه الشجاعـة و العبادة عندها ترافقها الحكمة أمة ما رأت الدنيا مثلها ، محبوبة عند الله و عند الناس فالكل يشهد لها لا عليها و يقف في صفها إلا جحود أو كنود وانظر إلى الأستاذ هيل كيف يقول عن هذه التربية النبوية الفذة: " إن جميع الدعوات الدينية قد تركت آثارا في تاريخ البشر. وكل رجال الدعوة والأنبياء قد أثروا تأثيرا عميقا في حضارة عصرهم وأقوامهم و لكن لا نعرف في تاريخ البشر أن دينا انتشر بهذه السرعة و غير العالم بأثره المباشر كما فعل الإسلام ولا نعرف في التاريخ دعوة كان صاحبها سيدا و مالكا لزمانـه و لقومه كما كان محمد . لقد أخرج أمة إلى الوجود ومكن لعبادة الله في الأرض وفتحها لرسالة الطهر والفضيلة و وضع أسس العدالة و المساواة الاجتماعية بين المؤمنين و أصل النظام و التنـاسق و الطاعة و العزة في أقوام لا تعرف غير الفوضى ".

   وهل نحن من أبنائها ؟ فإذا قلنا نعم فمن يجيب على : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ؟؟


صفحة : 1   2   3   4   5   6   7   8   9