خواطر قدوسية من الهام الشيخ

                                                             الطاهر بدوي

 

    

                                                                       ( المفتــــــاح الرابع عشر )

                                                                                    

   

وآيات القرآن نوعان محكمات ومتشابهات فالمحكمات هي الأصل والمتشابهات فرعها قال تعالى﴿   وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم﴾.﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ...وفي آيةأخرى يقول تعالى﴿ليس كمثله شيء...﴾فلابد من الرجوع إذا وقف في المتشابهات، إلى المحكمات لئلا يزيغ عن سواء السبيل والقرآن يفسر بعضه بعض.

 

لقد حسد الكفار والمشركون الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه أختير من الله تعالى وأنزل إليه النبوة والقرآن وحسدوا المؤمنين على اتباعهم إياه عليه السلام ولكن هل فعل  حسدهم  شيئا  وهل أعاق الدعوة إلى الله ؟ كلا...

 

        فقضية العقيدة الإيمانية واحدة في كل الأديان وقد جاء بها كل نبي ورسول وأما قضية الحياة فإنها ناسخة ومنسوخة حسب حاجات الناس والله تعالى يقنن حياة الناس بما شاء كيف ما شاء ووقت ما شاء قال تعالى ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها  ﴾... قال بعض العلماء إن النسخ في القرآن بداء والبداء على الله محال.. البداء هو أن يأتي بحكم ثم يأتي التطبيق ويبين التقصير في الحكم.. فهذا محال في حقه تعالى وأما النسخ في حقه تعالى غير دالك لأنه يعلم بعلمه الأزلي ويربي البشر درجات شيئا فشيئا مثله كان الله يعلم أن التوجه لبيت المقدس مفهوم الإسلام وحتى يطهر البيت الحرام من الأوثان والأصنام فترجع القبلة إلى أصلها لأنه بيت الله باختيار الله لا باختيار البشر .. فقد نسخ القبلة من بيت المقدس التوجه إلى بيت الله الحرام..قال تعالى ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾... فنسخت بـ ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم﴾... لو قارنت حصيلة فاتقوا الله حق تقاته وحصيلة فاتقوا الله ما استطعتم تجد نفسك لا تستطيع أن تتق الله حق تقاته في كل الأحكام بل في القليل منها وأما فاتقوا الله ما استطعتم تجعلك تتق الله في كل الأحكام بلا مشقة فحصيلة فاتقوا الله ما استطعتم أكثر من الحصيلة الأولى ... فنفس التوجه إلى بيت المقدس هو مثل توجهك إلى بيت الله الحرام ..فالتكليفان مستويان ولكن هناك ابتلاء الله لعباده لينظر من يمتثل لأوامره من غيره ... فساعة جاء الحكم الأول ترك الحكم الثاني الناسخ إلى مجيء معاده لأن الكل في علمه تعالى الأزلي وبإرادته. قال تعالى﴿   يمح الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾. النسخ لايحوم حول العقائد أبدا: إن الدين عند الإسلام ولا يحوم النسخ حول الأخبار...  ولكن في التكليفات: قال تعالى﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا... ﴾ ولكن رعى الله تعالى ضعف خلقه فخفف عنهم فقال الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا..  ﴿فإن يكن منكم مائة يغلبوا مائتين﴾.. فهذا ضعف في اتقوا الله حق تقاته.. كما نسخ الوصية بالميراث إلا لغير مستحقي الإرث في نطاق الثلث. قال تعالى ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل...﴾القرآن آيات والكون آيات والمعجزات آيات .. معجزة موسى تشبه السحر ومعجزة عيسى تشبه الطب ومعجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم معجزة الفصاحة والبلاغة لأن الله تعالى أراد لأمته أن تكون أمة لسان الدعوة إلى الناس كافة.   

 

ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير: سؤال تقريري ونفي النفي إثبات..والخطأ يُصَّوب والخطيئة يعاقب عليها.. والفرض الموت لا يؤخر ولا يقدم قال تعالى ﴿إذا جاء آجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون﴾لكن الأجل نوعان الأجل المحتوم الذي لا يتغير والأجل الغيرالمحتوم المشار إليه في قوله تعالى ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب  ﴾. وهذا الأجل الغير المحتوم تؤثر فيه الصدقة وصلة الرحم .إلخ.. وفي الحديث " من شاء يتيسر له في أجله فليصل رحمه"أو كما قال عليه الصلاة والسلام والمراد هنا ومن أراد أن يبارك الله في عمره بأن يجعله عمرا مديدا مملوءا بالصالحات ونفع المخلوقات.





 

الجزائر في 08 نوفمبر2017

                                                                الموافـــــق لـ 19 صــفـــر 1439

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين...

 

                                                                   

                                                        " ففروا إلى الله " !!!

 

أيها الإخوة !!!

 

بمناسبة عيد اندلاع الثورة المباركة، يسرني أن أقدم للشعب الجزائري المغوار ولكل من ساهم من قريب أو بعيد في الوصول بالثورة المباركة إلى الحرية والاستقلال كلَّ تهانئ على أن نتعاهد أمام الله تعالى، كلٌ يعاهد نفسه في خلوته أن نحافظ على أمن بلدنا المفدّى وازدهاره بكل ما لدينا من نِعم وأن لا نخون الأمانة المقدسة التي سقتها دماء شهدائنا الأبرار وذلك بتلقين الأجيال الصّاعدة حب الوطن، والتضحية من أجله بالنفس والنفيس وأن نتعاون جميعا رجالا ونساء ، كلٌ حسب طاقته، كلٌ في موقعه، فُرادى وجماعات، على بناء الإنسان الجزائري خاصة بناءً أساسه العقيدة الإسلامية والخلُق النبيل، وجمالُه نفع الخلق بالحق، بناءً يُلغي كلَّ عصبية، بناء يجعل أول أولوياته تكوينَ رجال مذاويد، شعارهم حبُّ الوطن، يقومون به وله ومن أجله، على نهج أسلافهم الميامين، أولئك الذين كلّل الله جهودهم الخالصة بتحرير شعبنا الباسل من ربقة الغاصبين الملاعين " فمنهم من قضى نحبَه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" صدق الله العظيم.

 

كان الأجدر بنا أن نشكر ربَّنا العزيز الذي أمدنا بنصره، ولكنا انحرفنا قليلا تارة إلى الغرب وأخرى إلى الشرق وألقينا وراء ظهورنا عقيدتنا وأخلاق ديننا الحنيف، واستبدلناها بأطماع شيوعية، فكانت معولَ هَدم أتينا بها على الأخضر واليابس، نعم حاربنا من أجلها رجالاتنا الأفذاذ الذين كان أحدهم لا يهنأ له بال حتى يُلقن المستعمر درسا لا ينساه. فإذا لقّنه إياه كان سعيدا وإن بات طاويا.

 

ثم أدركتنا العناية الإلهية، فاستجاب الله تعالى لابتهالات المستضعفين فخسف الله بالشيوعية من داخلها وعلى يد أبنائها، ثم ألهمنا النهضةَ الإسلامية من جديد والحمد لله، لأن انحرافنا عن الجادة كان انحرافا صُوريا لا جوهريا. ورحم الله الامام الشيخ عبد الحميد بن باديس حين صرّح بهذه الحقيقة وسْط ظلمات الاستبداد والطغيان بقوله:

شعب الجزائري مسلم    ۝   وإلى العروبـة ينتـسـب

من قال حاد عن أصلــه   ۝   أو قال مات فـقـد كـذب

أو رام إدمـــاجــــا لــــه    ۝    رام المحال مـن الطلب.

 

ولله در إمامنا الشيخ سيدي أحمد بن عليوة الذي أكَّد على هذه الحقيقة من قبل فقال:

" نحن واهلُ بدر في العتق سواء  ۝  ما بي بـهـم ومـا بـهـم بي "

 

ثم اعلم أخي العزيز أن كل تغيير إلى الأفضل وكلَّ ازدهار وكلَّ تطور يُشترط فيه وحدةُ الشعب كذات واحدة، وهذه الوحدة لا تأتي إلاّ ببناء الفرد على أس العقيدة والخلُق النبيل والعلم النافع والانفتاح على كل العالم، شأن بعض البلدان المتقدمة كاليابان وكسنغفورة مثلا وغيرهما الذين كانوا بالأمس يُداسون بالأقدام فأصبحوا الآن قادة للأنام...

 

ورحم الله القائد العظيم صلاحَ الدّين الأيوبي حين أراد أن يفتح بيت المقدس الشريف ويُطهره من أيدي الصليبيين، استشار أحدَ العارفين بالله في ذلك فقال له: "لا تستطيع إلى ذلك سبيلا. ارجع إلى شعبك وابْنِ به الفرد المسلم واجعلْه لا يخاف في الله لومة لائم". ولما انتصح وعمل بالوصية فتح بيت المقدس مُظفرا ودخلَه متواضعا لله تعالى شاكرا لأنعمه كما فتحه من قبله الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد كان يومَها يسير على قدميه وغلامُه على ناقته المبارَكة، وعلى جسده بُردةٌ مكلَّلة بسبعة عشر رُقعة تُضيئ كالنجوم الزاهرة في سماء العدل والأخوة والحرية والمساواة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. كما دلت على ذلك الكتب المقدّسة حول سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياةِ أصحابه الكرام مما جعل القديس سُفرانيوس ألا يُسلّم مفاتيحَ بيت المقدس إلا للذي ذُكرت صفاته في التوراة والإنجيل فعلِمها أصحابُها جيلا عن جيل.

 

 

أرأيت أخي العزيز كيف أدرك القائد المغوار صلاحُ الدّين أسرارَ الآية الكريمة : "إن الله لا يغيّر     ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم". ولله در الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله حين قام للناس خطيباً يحثهم على مواجهة التتار البغاة: "والله لن تبلغوا شيئا إلاّ بالله ولن تصلوا إلى الله إلاّ بالله". والقرآن من قبل ينادينا: "ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين".. فالرجوع إلى القرآن والسنة النبوية أصبح إذن ضرورةً حتمية إذا أردنا الرقي والازدهار والتخلص من ربقة الاستدمار بشتى أنواعه.

 

ثم إن الاستثمار في الإنسان المسلم عامة وفي الجزائري خاصة يقتضي بناء أسرة عريقة على أس العفة والحب والمودة والرحمة، أسرة لا يعرف الطلاقُ أو النزاع إليها سبيلا، أسرةٍ يسارع أفرادُها إلى كل الطاعات وقد أُشرِبوا في قلوبهم حبَّ التقوى وحبَّ الوطن وحب الخلْق بلا استثناء.

 

ومن غايات هذا الاستثمار:

 

ـــ أن يكون هناك انسجام كامل بين الراعي والرعية إلى أن يصبح الراعي في وسعه أن يخدُم الأرملة أو العجوز الفانية، كما فعل سيدُنا أبو بكر ومن بعده سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليهما وكذا من جاء بعدهما.. وإلى أن تصبحَ الرعية في استعداد تام لطاعة أميرها، طاعة حب وإخلاص...

 

ـــ ففي هذه الأمة المختارة يصبح الراعي أبا للجميع، تجب طاعتُه بنص القرآن والسنة، والخروج عن طاعته يُعد أكبر الكبائر وأشنع الجرائم لأن أميرَها اختارته الرعية بكل نزاهة وشفافية، نظرا لشخصيته  النبيلة، ولأنه لم يطلب الإمارة وإنما جاءته رغم إرادته... ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه من يطلبها أبى له ذلك قائلا: "إنا لا نولي هذا الأمرَ أحداً سأله". وقال لآخر: "إذا أتتك الإمارة من غير مسألة أُعِنْتَ عليها وإلاّ وُكِلْت إليها"... أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقال أيضا لأبي ذر الغفاري، ذلك الصحابي الزاهد الجليل الذي يمشي وحده، ويموت وحده ويُبعث يوم القيامة وحده، حين طلب منه الإمارة: " يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها لخزي وندامة ". فالمراد بالضعف هنا ليس الضعف في الإيمان أو في الأخلاق كلا! بل الضعف في الشخصية لأن شخصيتَه النبيلة لا تتحمل تكاليف الأمة، فنصَحه بالوَرع عنها.

 

ـــ وفي هذه الأمة يقف الأمير مع خصمه وإن كان ذميا إذا شكاه إلى القاضي ورفع عليه دعوةً ما، وإن كانت باطلة. فإذا حكم القاضي لخصمه قَبِلَ حكمَه، كما قبل سيدنا علي ابنُ أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه قرارَ القاضي شُريح في قضية الدرع التي سرقها اليهودي وادعى أنها مِلكُه.. فهذا هو الذي أبهر اليهودي، فاعترف بحق سيدنا علي في الدرع فتوّج اعترافَه باعتناقه الإسلام.

 

ـــ وفي هذه الأمة ترى فيها كلَّ فرد منها يقف عند حدود مسؤوليته فيؤدي أمانتَه حبا في وطنه وابتغاء مرضاة ربّه لا رِشوة ولا اختلاس ولا بغضاء ولا خداع ولا سُحْت ولا غِش. كل يهذب نفسَه ويعنفها، وكل يراقب الله تعالى فيها.. فلا ترى فيها بين الراعي والبسيطِ من الرعية أيةَ ميزةِ تفضيل إلا في المسؤولية، لأنها تكليف لا تشريف. فترى فيها الأمير مثلا يركب جنبا إلى جنب الحافلة أو القاطرة مع هذا البسيط وهما يتبادلان الحديث في جَو يَغمره الحب الخالص والطاعة اللامشروطة بعكس ما نشاهده في جل البلدان الإسلامية حيث أصبحت شخصية الأمير وثَناً تخضع له الجباه صاغرة. ومن المحظورات السبع الاستدراك عن مقالته أو نقد منهجيته، فكأنما يوحى إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويتناسى أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه راجعته امرأةٌ من الرعية حين أراد أن يخفف من عبء مهور النساء، فما كان منه إلا أن عيّنها محاسِبةً تأمر وتنهى في الأسواق، ولما سُئل عنها قال لهم: "ألا أسْمع لمن سمع الله تعالى قولَها من فوق سبع سماوات؟

 

ـــ وفي هذه الأمة ترجع الذئاب مذعورة إلى جحرها حيث يعم العدل والرخاء والأمنُ والإخاء، كما في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وعهد حفيده عمر بن عبد العزيز رحمه الله من خلفاء بني أمية حيث لا يوجد فقير تؤدى له الزكاة. فأصبح بيت المال بحمد الله تعالى مملوءا عن آخره وأصبحت الذئاب تحرس الأنعام مع رعاتها.

 

وفي الختام أقول، إذا أصبحت أمتنا يوما تبني مجدَها بسواعد أبنائها وتأكل من زرعها وتلبَس من قُطنها وتدافع بدرعها عن مقدساتها وتقف بالمرصاد ضد كل من يريد النيل من وحدتها والمساسَ بتاريخ أمجادها أو بأصالتها حتى لا يأمن شرَها عدوُّها فيحسُب لها ألف حساب، وتقفُ أيضا بالمرصاد ضد أولئك الذين يُسوِّقون أفكارَ أسيادِهم الهدَّامة للشعوب المغلوبة على أمرها بدءاً من محو العقيدة الحنيفية من القلوب إلى تلقيح الشبيبةَ الإباحية والشذوذ، كما تفعل الأحمدية البريطانية والتنصيرية الصهيونية وغيرُهما وكالذين باسم غِيرتهم المزعومة عن الإسلام يُفتُون بضرورة إعادة قراءة القرآن الكريم قراءةً "عصرية" وفصلِه عن السنة النبوية بالكلية حتى تذوب قَداستُه في أهوائهم الفتّاكة، ويتجاهلون أن القرآن الكريم هو منهاج ومعجزة قد تولى الله تعالى حفظه بنفسه فقال: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". نعم حفظهُ في الصدور تلاوة ودراية، وحفظه بأسراره وعطاءاته التي تُعْجز إذْ تُعطي، وتشفي إذ تهدي وإمداداتِه التي لا تنتهي يحظى بها كل جيل في كل مصر وفي كل زمان... ويتجاهلون، وهذا أدهى وأمرّ، أن القرآن هو بنفسه يأمر بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحث عليها لأنه لا تستقيم العبودية لله تعالى البتّة إلا باتباع سنة سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر ونهى، لأن السنة النبوية الشريفة هي من أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله وإقراره وهي أيضا وحي من الله تعالى أنزله سبحانه على قلبه الشريف، ليبيّن ما خَفي أو ما أبهِم من القرآن. قال تعالى: "لا تحرك به لسانَك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانَه". ويؤكد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة قائلا: "أُتِيت القرآنَ العظيم ومثلَه معه" أو كما قال.

 

ولله در الإمام أبي عبد الله محمد بن سعيد البوصيري رحمه الله حين يصف أسرار هذه المعجزة الأزلية الناسخة الباقية، الجامعة الشافية فيقول في بُردته الشهيرة:

 

    آياتُ حقٍّ من الرحمنِ مُحدثةٌ       ۝    قديمةٌ صـفـةُ الموصـوفِ بالقِــدمِ

         لم تَقترِنْ بزمـانٍ وهي تُخبرُنا      ۝    عـن المَعـادِ وعـن عــادٍ وعـن إرَمِ

         دامتْ لدَينا ففاقتْ كلَّ معجزةٍ     ۝    مـن النَّبييِّنَ إذْ جــاءتْ ولـمْ تَــــدُمِ

     مُحكَّماتٌ فما تُبقينَ مـنْ شُبَهٍ     ۝    لِذِي شقاقٍ ومـا تبغينَ مــنْ حِكَمٍ

     ما حُورِبتْ قطُّ إلاَّ عادَ منْ حَرَبِ    ۝    أعْدَى الأعَادي إليهَا مُلْقِيَّ السَّلَمِ

         رَدَّتْ بلاغتُها دعـوى مُعارِضِـها     ۝    ردَّ الغَيُورِ يـدَ الجاني عَـنِ الحَـــرَمِ

 

ألا يخشى هؤلاء القرآنيون والقرآن منهم براء، براءة الذئب من دم يوسف، وهؤلاء المتنطّعون الذين أخرجوا بغُلُوهم الآلاف من رياض الإسلام الحنيف إلى ظلمات اليأس والجهل والتيه، حيث تسْتَباح الدماء والأموال والأعراض، وأصبح أفقَهُهم يقتل أمه أو أباه طاعة لأمِيره.. فنعم بِر الوَالدين هذا !!ألا يخشون أن يكون مصيرُهم كمصير رهط ثمود التسعة ؟؟ تلك الشرذمةُ الفاجرة التي بيَّتت هلاك نبي الله صالح عليه الصلاة والسلام ؟؟ ألا ترَون أن هؤلاء هم أحفاد أولئك ؟ فهلاَّ يتوبون إلى الله ويستغفرونه، والله غفور رحيم... والقرآن الكريم يحكي حكايتَهم، قال تعالى: "وكان في المدينة تسعةُ رهط يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون. قالوا تقاسموا بالله لَنُبيّتَنه وأهلَه ثم لنقولَن لوليّه ما شهدنا مُهلَك أهله وإنا لصادقون. ومكَروا مكْرا ومَكَرْنا مكراً وهم لايشعرون. فانظر كيف كان عاقبةُ مكرهم إنا دمرناهم وقومَهم أجمعين فتلك بيوتُهم خاويةً بما ظلموا. إن في ذلك لآية لقوم يعلمون" ( النمل/ 48ـــ52).

 

وليعلم الجميع ونقولُها حقيقة مدوية لا شرقية ولا غربية، أن كل من يريد فصل القرآن الكريم عن السنة النبوية الشريفة فقد سعى في خراب مقدسات الإسلام وهدمِها فهو بذلك مرتد عن الدين اتفاقا لمحاربته لهما. فما نَجى أبدا من حارب الألوهية وما فارق دُنياه إلا كما فارقها من قبل مُسَيلمة الكذاب وأمثالُه يفارقها وهو يجر ذيول الخزي والعار إلا إذا أدركته عناية الله تعالى بالتوبة النصوح، ولكن كيف له أن يجيب عن أولئك الذين أضلّهم بغوايته أو شرّدهم أو أصبحوا بفعلته يتامى وأرامل ومحاويج.. يوم يؤخذ بالنواصي والأقدام؟             

فيومئذ تكون أمتنا قد صدق عليها وفيها قولُه تعالى: "وهُدوا إلى الطيّب من القول وهُدوا إلى صراط الحميد".

 

والله أسأل أن يؤيد أمتنا المجيدة ويُسهل لها سُبل تحرير مقدساتها من أيدي الغاصبين ويرفعَ عالية خفاقة راية سائر المستضعفين ويردَّها إليه ردا جميلا. إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير فإنه نعم المولى ونعم النصير.  

 

             

                            "وما أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت"... 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ـ

                                والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار !!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

                                            "بلدة طيبة ورب غفور".

 

 أخوكم الشيخ الطاهر بدوي                                                                       





 

                                          خواطر قدوسية من الهام الشيخ

                                                      الطاهر بدوي

                                                                              ( المفتــــــاح الثاني عشر )

 

 

»  يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى« . فهذا تشريع للقتل الجماعي إذا قتلوا من قبيلة عبدا يقتل عبد به، وإذا كان حرا يقتل حرا به وهكذا وإما إذا كان على مستوى الفرد فليس المراد بأن الحر لا يقتل إلا بالحر والأنثى لا تقتل إلا بالأنثى… فالقصاص يخفف من ضغينة أهل القتيل ولكن يبقى المعروف والأداء بالأخوة، والعفو يسقط القصاص على أهل الجاني فإذا لم تدفع الدية . قال تعالى:»  فإتباع بالمعروف «من ولي القتيل » وأداء إليه بإحسان« من أهل الجاني أو الجاني، فهذه حق وإحسان لأن أهل القتيل رضي بالدية وأسقط القصاص فهذا من باب رد التحية بأحسن منها : » ذلك تخفيف من ربكم ورحمة« … فهذا لا يوجد في  الإنجيل ولا في التوراة، ما في التوراة إلا القصاص وما في الإنجيل إلى العفو والإسلام جاء بالقصاص والعفو والدية … » فمن اعتدى بعد ذلك« أي من اعتدى على القاتل بعد صدور الحكم فله عذاب أليم ، فالذي يقتله لا تقبل دية قد يدفعها إلى القتيل… » فله عذاب أليم« … فالكل من الجاني وأهله ومن رآه وعلم جريمته عليه أن يقوم بأداء الأمانة وتسليم القتيل للقاضي.

 

في كل التشريع " لكم " يقابله " عليكم " و " عليكم " يقابله " لكم "… وقال تعالى » ولكم في القصاص حياة يا أولوا الألباب «  … " لك " فيها الملكية  و" عليكم" فيها الغُرم، عليكم في القتل القصاص ولكم في القصاص حياة. يا أولي الألباب يا أصحاب العقول والحكمة في تقنين العقوبة أن لا تقع الجريمة وإذا وقعت تكفّل بها فلابد من العقوبة ومشاهدة عقاب الجاني ليستقر الردع في النفوس الضعيفة، فخوف العقوبة من شأنه أن ينشأ التوازن في المجتمع التوازن الجنائي في المجتمع...

 

قال تعالى : »كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين... «. وما كتب الله عليك إلا بعد أن دخلت الإيمان باختيارك بدليل أن الذي كفر به كلّفه وأمره ونهاه، فهذا خاص بالمحبين الذين أخرجهم ربهم من اختيارهم بخلاف الكفار، أهملهم وتركهم لاختيارهم... والسر في  كُتب يهدف  إلى كل شيء نحرص عليه فنكتبه، »إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين  «... ينبغي للمؤمن أن تكون حركته أكثر من حاجته والخير يقدر بزمنه ولذا لا يقدره الله برقم أو سعر معين. » إذا حضر أحدكم الموت« أي أسباب الموت فلابد أن تكون وصيته مكتوبة عنده فتصير واقعا بعد الموت، والوالدين فوق مستوى القرابة لأن القرابة كانت بسببهم... وهذا كان قبل تشريع الميراث وحدّد الميراث الوصية وبقيت الوصية في الذين ليس له حق في الميراث، والوالدان الكافران لا يرثان ولا يورثان فهؤلاء لهم الحق في الوصية... والوصية واجبة التنفيذ ، قال تعالى: »فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذي يبدلونه » فمن خاف من موص جنفا« ( انحراف وميل ، ظلما من غير تعمد) أو إثما (أي عن عمد )... والخوف هو توقع شيء مؤلم لم يقع بعد... أي قضية تمس مؤمنا اهتز لك كل المؤمنين: " فمن خاف " أي واحد غير الواصي والموصي له الجنف يوصي أكثر من قدره ويقدم القريب على الأقرب أو يبخس حق الوارث... فالذي يصلح ليس طرفا في الوصية وإنما دال على الخير و الدال عليه كفاعله. فعلى كل من سمع الواصي على الموصي له أن يقوم إعواجاجه إذا رأى منه ذلك أي كانت الوصية مخالفة لأمر الله تعالى ورسوله... فهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و النصيحة لله ولرسوله والكتاب ولأئمة المسلمين عامتهم .

 

                        د مـــتـــــم لأخــــيكـــــم الشيخ الطاهر بدوي



 

 

خواطر من واحات الأنس                                          

 

 

             المـفتــــاح الحادي  العاشر                                                               

                                 

                                                              

 

» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى«. فهذا تشريع للقتل الجماعي إذا قتلوا من قبيلة عبدا يقتل عبد به، وإذا كان حرا يقتل حرا به وهكذا إما إذا كان على مستوى الفرد فليس المراد بأن الحر لا يقتل إلا بالحر والأنثى لا تقتل إلا بالأنثى… فالقصاص يخفف من ضغينة أهل القتيل ولكن يبقى المعروف والأداء بالأخوة، والعفو يسقط القصاص على أهل الجاني فإذا لم تدفع الدية . قال تعالى:» فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ«من ولي القتيل »وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ «من أهل الجاني أو الجاني، فهذه حق وإحسان لأن أهل القتيل رضي بالدية وأسقط القصاص فهذا من باب رد التحية بأحسن منها :» ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ«… فهذا لا يوجد في  الإنجيل ولا في التوراة، و ما في التوراة إلا القصاص وما في الإنجيل إلا العفو والإسلام جاء بالقصاص والعفو والدية … » فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ«أي من اعتدى على القاتل بعد صدور الحكم فله عذاب أليم ، فالذي يقتله لا تقبل دية قد يدفعها إلى القتيل… »فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ«… فالكل من الجاني وأهله ومن رآه وعلم جريمته عليه أن يقوم بأداء الأمانة وتسليم القتيل للقاضي.

في كل التشريع " لكم " يقابله " عليكم " و " عليكم " يقابله " لكم "… وقال تعالى »وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ«  … " لك " فيها الملكية و" عليك" فيها الغُرم، عليكم في القتل القصاص ولكم في القصاص حياة. يا أولي الألباب يا أصحاب العقول والحكمة في تقنين العقوبة أن لا تقع الجريمة وإذا وقعت تكفّل بها فلابد من العقوبة ومشاهدة عقاب الجاني ليستقر الردع في النفوس الضعيفة، فخوف العقوبة من شأنه أن ينشأ التوازن في المجتمع التوازن الجنائي في المجتمع...

قال تعالى :» كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ... «. وما كتب الله عليك إلا بعد أن دخلت الإيمان باختيارك بدليل أن الذي كفر به كلّفه وأمره ونهاه، فهذا خاص بالمحبين الذين أخرجهم ربهم من اختيارهم بخلاف الكفار، أهملهم وتركهم لاختيارهم... والسر في  كُتبَ يهدف  إلى كل شيء نحرص عليه فنكتبه، »إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ«... ينبغي للمؤمن أن تكون حركته أكثر من حاجته والخير يقدر بزمنه ولذا لا يقدره الله برقم أو سعر معين. » إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ «أي أسباب الموت فلابد أن تكون وصيته مكتوبة عنده فتصير واقعا بعد الموت، والوالدين فوق مستوى القرابة لأن القرابة كانت بسببهم... وهذا كان قبل تشريع الميراث وحدّد بالميراث الوصية وبقيت الوصية في الذين ليس لهم حق في الميراث، والوالدان الكافران لا يرثان ولا يورثان فهؤلاء لهم الحق في الوصية... والوصية واجبة التنفيذ ، قال تعالى:»  فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَه ُ «، » فمن خاف من موص جنفا« ( انحراف وميل في الأداء ، ظلما من غير تعمد) أو إثما (أي عن عمد )... والخوف هو توقع شيء مؤلم لم يقع بعد... أي قضية ما تمس مؤمنا اهتز لك كل المؤمنين لأن الأمة المحمدية كذات و احدة كما شبهها رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قال: "مثل المؤمنين في  توادهم و تراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا إشتكى منه عضو تداع له سائر الجسد بالسهر و الحمى" و في حديث آخر يحث المسلم على أن لا يعيش إلا بإخوانه و لهم فقال  :" ليس منا من لم يهتم بشؤون المسلمين" و قال أيضا: " ليس منا من بات شبعان و جاره جائع".. أو كما قال ." فَمَنْ خَافَ " أي أيُّ واحد غير الواصي والموصي له الجنف يوصي أكثر من قدره ويقدم القريب على الأقرب أو يبخس الوارث... فالذي يصلح ليس طرفا في الوصية وإنما دال على الخير و الدال عليه كفاعله. فعلى كل من سمع الواصي على الموصي له أن يقوم إعواجاجه إذا رأى منه ذلك أي كانت الوصية مخالفة لأمر الله تعالى ورسوله... فهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين و عامتهم .





 

خواطر من واحات الأنس

                                   

                                          المـفتــــاح العاشر

 

ليس البر هو التوجه إلى الكعبة بل البر هو الامتثال لأمر الله تعالى وهو الخير الواسع الكثير الإيمان والصدق والتقوى والإحسان… كل ناحية منه محفوف بالمكاره والمشقات… » وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ«أي بر من آمن بالله.. فهوالبر أي كأن تقول فلان عدل أقوى من قولك فلان عادل، فعادل صفة عارضة وأما عدل فهي ذاتية لا تفارق صاحبها أبدا… فالبر معجون الخير كالعدل معجون العدالة والقسطاس المستقيم، فالإيمان لا يتعلق إلا بأمور غيبية ومنها الإيمان بالله و اليوم الآخر...تؤمن بالله و تذعن له الطاعة المطلقة و تؤمن بما أمرك الله من غيبيات فهي الأرضية للحركة الإيمانية … فالبر أمور عقدية أساس في الأمور الحركية و الذي يعني الله تعالى أن تنظّم حركة الإيمان في الأرض ...فهناك أديان مختلفة عاشت في حضن الإسلام… فالذميون يدفعون الجزية كما يدفع المسلم الزكاة  فإذ احتاج الذمي و كان في فاقة أعطيناه من مال الله تعالى ...فكل من المسلم و الذمي في حماية الدولة الإسلامية :»وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى «...من البر قال تعالى :»وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ«. على حب المال وحب العطاء وعلى حب الله الذي شرع له العطاء »وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ «» لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ«، فقد أخرجته من ملكيتك ومن قلبك إذا أنفقت ما كنت  تحب… »ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى...« يريد الله أن يوزع المجتمع على المجتمع ، طهر الالتقاء بين الزوجين لإنشاء نسل طيب ، كل مشرد نتيجة خلل في النسل، ناتج عن علاقة غير شرعية .فإذا أقام كل واحد بتكفل قرباه… كان المجتمع في مأمن وسلام وقربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من قربانا...

 

الإسلام حضارة جمع الله فيه للمسلم بين الدنيا والآخرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن"… قال صلى الله عليه وسلم :" زينوا القرآن بأصواتكم" و في رواية " زينوا أصواتكم بالقرآن" وقال  صلوات الله و سلامه عليه" إن الله جميل يحب الجمال"… وكان صلى الله عليه وسلم يتزين حين يريد الخروج إلى أصحابه… فالإنسان بين الملك والحيوان ، فالحيوان يرضي غرائزه الفطرية والملك لا يسأم من عبادة مولاه… فإذا استسلم الانسان لهواه عاش كالحيوانات والبهائم وإذا جمح نفسه ارتفع إلى مستوى الملائكة و كان أفضل من الكثير منهم… لأن الملك مفطور على الطاعة فليس له شهوة يحاربها ولذا كان أفضل منه… والمراد بالتغني أن تعطي في قراءتك القرآن كل حرف حقه بمده ووقفه و غنته إلخ… فالتغني هنا بديل عن الغناء الركباني الذي كان العرب يتغنون بأشعارهم، وقد أشار الإمام البوصيري رحمه الله في بردته إلى هذا النوع من التغني و أمجه في مدح خير البرية ليكون التغني طاعة لا لهوا و عبثا، قال رضي الله عنه يتجلى الله تعالى، و تجليتاه القدسية على خير البرية و أهل بيته و صحبه بعدد كل اهتزاز النبات بريح الصبا و عدد ما أطرب حادي العيس بنغماته و أشعاره في كل أسفاره، فمن لم يتغن بالقرآن بدل أشعاره لم يكن مسلما… والتغني مراده أيضا الاستغناء بالقرآن… فإذا أصبح التغني قد تجاوز حدود القراءة الصحيحة فهذا مكروه لا يليق.







 

رســــــالة إلــى فــــلان



 

رد الشيخ الطاهر بدوي على الرسالة :

 

سيدي الفاضل :

 

لقد طلبتم مني ، وأنتم مأجورون ، أن ابدي لكم من خلال رسالتكم ، رأيي قصد إعانتكم لانجاز بحثكم حول "العامية في الخطاب الديني".

 

سيدي ، فإني لا أخفي عنكم أني أجهل الدوافع التي جعلتكم تهتمون بالعامية إلى حد بعيد ، ثم عن أي عامية تتحدثون ؟ فإني أرى منها الآلاف المؤلفة هنا وهناك. وعليه فإني أرى أنه من الأفضل لكم والأنفع للجميع أن تبذلوا جهودكم في  البحث حول ترقية اللغة العربية من خلال الإعجاز العلمي في القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة فيكون ذلك ضربة قاضية وقاسمة لظهر العولمة الفتاكة التي تسعى كما تعلمون جاهدة بكل ما تملك من وسائل مادية وبشرية إلى جعل أمتنا المجيدة قزما وكَلاً على مولاه أينما يوجهه سيده لا يأتيه بخير أو إلى صنم يرى ولا يبصر ويسمع ولا يعقل يعني أمةً تفقد أصالتها وتجهل تاريخ أمجادها بدأً بلغتها التي أختارها الله تعالى لوحيه المقدس فأنزل بها القرآن الكريم على قلب سيد البشر سيدنا محمد صل الله عليه وسلم .وهذا هو الذي يرضي عملاء الصهيونية العالمية يعني أن تصير أمتنا ألعوبة  بين أيديهم لا حول لها ولا قوة بلا لغة ولا تاريخ يعني بلا شخصية يعني بلا حياة لأنهم يرون في الاسلام الحنيف الخطر المخيف الذي يهدد سلامة البشرية برمتها و يتجاهلون سماحة الاسلام في ديارهم عبر العصور الغابرة.. ولكن هيهات !! فالرب القهار سبحانه دوما لأعدائه بالمرصاد قال تعالى في سورة المائدة حكايةً عن مكر اليهود ((كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)).

 

إن اللغة العربية هي الجديرة أن تتطور وتغزوا كل حقول العلم و أنواع الاختصاصات لأنها هي رمز الوحدة للأمة ورمز عقيدتها بربها ورمز وجودها. فإذا حلت العامية بشتى أشكالها مكان اللغة العربية فلن تستطيع الامة المحمدية أن تبلغ إلى الناس كافة رسالة ربها لأنها أمة اختارها الله تعالى أن تكون وسطاً تشهد على كل الناس ... وماذا يبقى للأمة المحمدية إذا فقدت لغتها ؟

 

فعلى أمتنا المجيدة كأمة الإجابة أن تنشر الحب والعدل والسلام  عبر المعمورة بين كل الناس وتنهض من سباتها العميق نهضة فارس مغوار لا يخاف في الله لومة لائم بالرجوع العملي إلى القرآن الكريم وإلى سنة سيدنا محمد رسول رب العالمين وتبلغ تعاليم دينها الحنيف إلى البرية كافة  بدءا بأبنائها تبليغا أخلاقيا وعلميا وسلوكيا وتلقن للأجيال الصاعدة ما تعلمته من تجارب أجدادها المغاوير الذين كانوا يدعون الناس بالمعاملة الصادقة والنصيحة النافذة واستطاعوا بتوفيق الله تعالى أن يهدوا جل الشعوب الأسيوية والأفريقية الى الطريق المستقيم بلا سيف ولا إكراه ولا عصبية .

 

ثم إن الشعوب الغربية خاصة لا تنجذب إلى النور المبين إلا إذا تسلحت هيأتنا الدعوية بمعرفة أسرار هذا الدين الحنيف وإقامة الدلائل العلمية عليها من الكتاب والسنة وبفقه شخصيات ولغات هذه الشعوب وإنزال هذه المعرفة في الواقع المعاش . فالدعوة إذن في هذه الديار لا تُؤتي أكلها إلا عن طريق العلم لأنه كما تعلمون سلاح عصرنا بلا منازع أو قل وثن مقدس يعبد من دون الله .

 

وبالبراهين العلمية التي لا تتناقض والحقائق القرآنية الثابتة أو النبوية  يدخل الناس في دين الله أفواجا عن علم وقناعة وحب ويقين كما دخل أسلافهم عبر العصور الذهبية الغابرة ويومئذ يعرفون علم اليقين ويشاهدون عين اليقين صدق قوله تعالى في أواخر سورة فصلت (( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ )) كما شاهدوه من كان قبلهم.

 

إن أمتنا الأن بصفتها أمة الإجابة وبالرغم من حالها التي لا تحسد عليها فهي مسؤولة أمام باريها سبحانه وتعالى وأمام نبيها الذي يشهد لها أو عليها يوم القيامة ، على تقصيرها الطويل والعميق وعلى إهمالها للأمانة التي أنيطت  بها واشتغالها بالاستهلاك بدلا من أن تنتج سلاحها لتصون ثغورها ومقدساتها التي هي الآن  بأيدي أعدائها ، وغذائها  بنفسها حتى تأمن عيشها.. ولن تبرأ ذميتها حتى تبذل النفس والنفيس في تبليغ باقي سكان المعمورة أنوار الهداية وأسرار الحكمة النبوية فتخرجهم بها بإذن الله تعالى من ظلمات الإلحاد  والوثنية والإباحية والعنصرية والفرعونية إلى حيث الحياة الطيبة في العاجلة والحُسنى والزيادة في الآخرة تحت راية  سيد الأولين و الآخرين صلى الله عليه وسلم  يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم مع العلم أن عليها هداية الدلالة فقط لا هداية المعونة التي هي من اختصاص المولى جل في علاه.

 

وختاما أرجو منكم سيدي الفاضل أن تعدلوا عن مشروع العامية هذا وتتجهوا بكليتكم, والله يوفقكم وإيانا آمين ، إلى ترقية اللغة العربية والغوص في أسرارها وأغوارها من خلال الإعجاز العلمي  كما سبق وأنصح لكم على وجه الخصوص في هذا الميدان بالاتصال مع أهل الذكر أهل الاختصاص وأعني بذلك على الخصوص الشيخين الجليلين الأستاذ زغلول النجار والأستاذ عبد المجيد الزنداني الغنيان عن التعريف ليحيطا قريحتكم بالمزيد وأجر الجميع على الله الفعال لما يريد.

 

وليثق أعداء هذه الأمة قبل أحبابها وأبنائها أن هناك بشائر النصر تلوح على الأفق نظرا لجهود أهل هذه الأمانة النبيلة  وإن كانت قليلة وفردية والتي تأتي بثمارها كل حين بأذن ربها ويدخل الناس بالآلاف من خلالها أفواجا وجماعات إلى الإسلام الحنيف ونظرا إلى اهتمام  أمتنا بعلوم القرآن الكريم والسنة النبوية والتي يسارعون إليها رجالاً ونساءً شيوخاً وشبانا من كل البلدان الإسلامية وغير البلدان الإسلامية والقرآن الكريم يبشر في هذا (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) ... و( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يبشرنا بدوره ويقول :" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على وجه الارض لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" ... أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

والســـلام عليــــكم ورحـــمة الـــلـــه وبـــركـــــاتــه ,

                                                                      أخــــــــــــــوكـــم                                                                                                                                                      

 

 







 

مســــــــــلـــم جـــــــــزائــــــــــري

 

هل حقا قال القرآن بحياة عيسى في السماء؟

 

                  الســــــــــلام عليــكم شيـــخنــا الكـــــــريم




قرأت موضوعا حول عقيدة بعض المسلمين في عيسى عليه السلام , 
حيث يقولون أن القرآن قال عن عيسى أنه حي في السماء.و لكن 
علماء الأمة ينتظرون عيسى ينزل من السماء و يؤدي مهمة إصلاح
 البشرية ثم يموت و يدفن في الأرض. و القرآن لن يتغير منه 
حرف واحد.فهل يبقى القرآن يقول بحياة عيسى في السماء و 
عيسى صار ميتا مدفونا في الأرض؟.أرجو الرد.لا سيما بالنسبة
 للناس الذين سيأتون بعد موت عيسى .و شكرا. 

 

 

 

 



 

                      رد الشيخ الطاهر بدوي على الرسالة :

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلي و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و التابعين و من تبعهم إلى يوم الدين

 

    أخي العزيز! متعكم الله و المسلمين أجمعين بنعمة العافية في الدين و الدنيا و الآخرة آمين

و بعد، ردا على استفساركم حول حقيقة سيدنا المسيح عيسى عليه الصلاة و السلام فاعلموا رحمكم الله أن حادثة رفعه إلى الله تعالى قد ذكرها القرآن الكريم في سورتي آل عمران و النساء.

يقول سبحانه وتعالى في سورة آل عمران " و يمكرون ويمكر الله و الله خير الماكرين. إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك و رافعك إلي و مطهرك من الذين كفروا و جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون" (54-55).

 و المكر الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم عيسى عليه السلام مكر طويل و عريض. فقد اتهموا أمه الطاهرة مريم البتول مع يوسف النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كم تذكر أناجيلهم الكاذبة ثم اتهموه هو بالكذب و الشعوذة و وشوا به إلى الحاكم الروماني آن ذاك "بيلاطس" أن عيسى هذا مهيج يدعو الجماهير لشق عصا الطاعة و أنه يجدف و يفسد عقيدة الجماهير، حتى سلم لهم "بيلاطس" بأن يتولوا هم أنفسهم عقابه بأيديهم لأنه لم يجرؤ و هو على وثنيته على احتمال تبعة هذا الإثم العظيم مع رجل لم يجد عليه أية ريبة و هذا قليل من كثير... " و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين".

 لقد أرادوا صلب عيسى عليه السلام و قتله و لكن أراد الله تعالى أن يتوفاه و أن يرفعه إليه و أن يبعده من ساحتهم النجسة القدرة و أن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة حيث يرجع الأمر إلى الله تعالى وحده جل في علاه، فأما كيف كانت وفاته و كيف كان رفعه فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي أمرنا أن نؤمن بها فحسب و التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى. فلا طائل إذا كما قال سيد قطب رحمه الله " في الظلال " وراء البحث فيها. لا في عقيدة ولا في شريعة. و الذين يجرون وراءها يجعلونها مادة للجدل الذي ينتهي بهم إلى المراء العقيم الذي لا فائدة ترجى من جرائه.

 و أما أن الله تعالى جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة فلا يصعب القول فيه. فالذين اتبعوه هم الذين آمنوا بكل الأنبياء و الرسل و بكل الكتب السماوية المنزلة، الذين يؤمنون بدين الله الصحيح الذي هو الإسلام فلا دين غيره. وقد جاء هو بنفسه مصدقا لما بين يديه من التوراة و مبشرا من بعده بالرسول الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم كما قال الله تعالى عنه في سورة الصف (6).

 نعم هذا هو الدين الذي عرف حقيقته كل نبي و جاء به كل رسول و آمن به كل من آمن حقا بدين الله تعالى و هؤلاء طبعا فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان الله تعالى العدل العليم الخبير.

و في سورة النساء يقول الله سبحانه و تعالى بعد ما حكى عن لغط اليهود و اختلافهم حول مصيره: فمنهم من ظن أنه اختفى عن الأبصار بين أتباعه و منهم من ظن أنه صلب : " إن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم الا اتباع الظن و ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه و كان الله عزيزا حكيما" (159).

و لا يدلي القرآن الكريم بتفصيل في هذا الرفع أكان بالجسد و الروح معا في حال الحياة، أم كان بالروح بعد الوفاة؟ و متى كانت هذه الوفاة و أين؟ و لكنهم ما قتلوه و ما صلبوه و إنما وقع القتل و الصلب على من شبه لهم سواه و قيل إنه على الواشي به. و الله تعالى أعلى وأعلم.

إذن فحادثة الرفع مفروغ منها لا جدال في حقيقة وقوعها. و خاصة أن الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم قد أخبرنا في الصحاح أنه رأى ليلة الإسراء و المعراج سيدنا عيسى و ابن خالته سيدنا يحيى عليهما السلام في السماء الثانية بعد ما رأى أبا البشر آدم عليه السلام في الأولى.

و أما قضية نزول سيدنا عيسى عليه السلام إلى الأرض فكذلك هي قضية لا جدال فيها  بدليل  أن رسول الله صلى الله عليه  و سلم هو  بنفسه  لما  أخبرنا  عن  علامات ا لساعة كطلوع الشمس من مغربها  و الدآبة و خروج يأجوج و مأجوج و من بينها نزول المسيح عليه السلام فقال صلوات الله و سلامه عليه في حديث رواه أبو هريرة و أخرجه البخاري و غيره في الصحاح " لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر الصليب و يقتل الخنزير و يفيض المال حتى لا يقبله أحد" و في رواية عنه   صلى الله عليه و سلم أن سيدنا عيسى عليه السلام هو الذي يقتل المسيح الدجال، الكذاب الأعور عينه اليمنى كأنها عنبة طافيه. هذا الذي أنذرت به جميع الأنبياء و الرسل عليهم الصلاة و السلام أقوامها ليتقوا شره إذا عاصروه. و هذا الذي يغزو الأرض كلها في أربعين يوم : يوم كعام و يوم كشهر و يوم كأسبوع و يوم كسائر الأيام المعروفة إلا مكة المكرمة و المدينة المنورة حيث ترده عنهما الملائكة المكرمون...  هذا هو الذي يدعي الربوبية و يأتي بخوارق عدة فيؤمن به ضعفاء الإيمان و أما المؤمنون حقا فيعلمون علم اليقين أن ربهم الله تعالى ليس بأعور و أنه ليس كمثله شيء و هو السميع البصير..

هذا الذي يقتله سيدنا عيسى عليه السلام فتتلاشى كل الملل و تصير ملة واحدة ملة الإسلام الحنيف.

      و لكن إعلم أنه لا ينزل بصفته نبيا لأنه لا نبي بعد سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و إنما ينزل كفرد من أمته يطبق شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و يكون في صحبته الإمام المنتظر المهدي الذي قيل أنه يصلي بالمسجد الأقصى إماما بالناس و بالمسيح عيسى عليه السلام نفسه. فهو من سلالة آل بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا عن جد يعني من نسل أولاد وأحفاد سيدنا  علي بن أبي طالب كرم الله وجهه و رضي عنه و سيدتنا فاطمة الزهراء البتول عليها السلام و يعد الإمام المهدي عند إخواننا الشيعة ألإمام الثاني عشر و الأخير ويلقب عندهم بحجة الله في الأرض و يلهجون دوما عند ذكر اسمه داعين الله تعالى :" عجل الله فرجه الشريف".

و القرآن الكريم يقول عن حادثة النزول هذه في سورة النساء " و إن من أهل الكتاب إلا ليومنن به قبل موته و يوم القيامة يكون عليهم شهيدا"(159).

   فهناك اختلاف في عائد الضمير في قوله تعالى:" موته" موت من؟ فقال جماعة و ما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن حالة احتضاره بعيسى عليه السلام أنه عبد الله و رسوله " و أمه صديقة كانا ياكلان الطعام" كما قال عنهما سبحانه، و أنه ليس ابن الله تعالى و لا ثالثا من ثلاثة أقنام و أحرى أن يكون هو الله تعالى... و أنه لم يصلب و لم يقتل بل رفعه الله إليه و ذلك قبل موته لأن المؤمن و الكافر و الطائع  و العاصي كل يرى مصيره قبل أن يغادر الدنيا مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه و من كره لقاء الله كره الله لقائه" و الحديث يؤكد قوله تعالى في سورة فصلت" إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون" (30). و العكس بالنسبة لأهل الضلالة و الغواية.

    و هناك جماعة ذهبت إلى أن الضمير بعود على سيدنا عيسى عليه السلام ثم يتوفاه الله بعد نزوله إلى الأرض ليحكم بالعدل بين الناس طبقا لشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم كما سبق و يوم القيامة يكون على من خالفوه شهيدا كسائر الأنبياء و المرسلين وذهبت جماعة أخرى إلى أن التأويل يحتمل القولين معا  و الله و رسوله أعلم.

   و أرجوا منكم في الختام أن تسألوا إن شئتم في هذا الشأن أهل الاختصاص من أهل العلم و أن ترجعوا إلى كتابي بعنوان: " طريقة التلقيح حول حقيقة سيدنا المسيح"الذي نشرته دار الكتب العلمية بلبنان و لها جزيل الشكر على كل الجهاد...و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته....

 

                                         د مـــتـــــم لأخــــيكـــــم الشيخ الطاهر بدوي 

 

 



                          الســــــــــلام علیکــــــــــم یـــا شيــــــــخ   

            

                         أنا محمد من إيرانطالب العلم الدينيالشافعي المذهب

   

  أريد منکم  سؤلات ؟

      یا شيخ أنت علی أي مذهب من مذاهب الأربعة ؟

     هل أنت داخل في فرقة من الفرق الإسلامية ؟ في أي فرقة ؟

     ما رأیکم بالصوفية عامة و بالطريقة النقشبندیة خاصة ؟

   هل يمکن  لي أن أرسل أسئلتي  باللسان العربي أو الفارسي و الجواب منک    باللسان العربي

     أنتظرك یا شيخ أرسل جوابي إلى البريد الإلكتروني ؟

 



   

رد الشيخ الطاهر بدوي على السؤال                                             

                                                                              

  

                                                      بسم الله الرحمن الرحيم

   

                                    

  اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه و التابعين آمين

 

إلى أخي العزيز بإ يران، حفظكم الله و رعاكم و بارك فيكم و في من على شاكلتكم، و رزق أمتنا الأمن و العافية و السلام آمين.

يسرني بعد شكري الجزيل لزيارتكم لموقعكم، أن أرد بإيجاز على رسالتكم بقدر الاستطاعة. فتمعنوا فيها

واسألوا إن دعت الحاجة إلى ذلك أهل الاختصاص إن أردتم المزيد و فوق كل ذي علم

عليم.

-   أما عن مذهبي الذي أتعبد الله تعالى به  فمذهب أهل المغرب عامة أعني مذهب إمامنا مالك بن أنس إمام دار الهجرة رضي الله عنه. و مذهبي في العقائد مذهب الإمام أبي الحسن علي الأشعري، و طريقتي هي طريقة الإمام الجنيد السالك رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، و ترون تلخيص كل هذا في بيت للإمام عبد الواحد بن عاشر [1]رضي الله عنه، في كتابه: "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين " حين يقول بعد الحمدلة و البسملة و الصلاة على النبي المختار و آله و صحبه.

                        

                     " وبعد فالعون من الله المجيد  ***  في نظم أبيات للأمي تفيد

 في عقد الأشعري[2]و فقه مالك[3]  ***  و في طريقة الجنيد[4]السالك"

 

-     و أما طريقتي المباشرة فقد أخذتها عن  شيخي الإمام سيدي المهدي بن تونس، عن أبيه سيدي عدة بن تونس، عن الإمام الأعظم سيدي أحمد بن مصطفى العلوي[5]و كل رضي الله عنهم أجمعين دفين مستغانم. (غرب الجزائر)

و أنظروا في ذلك، أسرار التلقين في كتابي " رسالة إلى لبيب" تجدوا ما يشفي غليلكم إن شاء الله تعالى حول التصوف كعلم و سلوك، و حول السلسلة النورانية لأرباب المعرفة و غير ذلك..

 

- أما عن الإمام محمد بن عبد الوهاب فهو مصلح ديني و زعيم الحركة الوهابية. ولد في العيينة (نجد) تربى على المذهب الحنبلي و طاف بالحجاز و العراق و سورية. قرر تنقية الإسلام من الانحرافات عن طريق القرآن الكريم و السنة النبوية. له عدة رسائل منها: " كتاب التوحيد" و " كشف الشبهات" و " تفسير الفاتحة " توفي رحمه الله سنة 1106 هـ - 1792 م.

 

1 هو شيخنا الإمام العلامة المجاهد الفذ سيدي أبو محمد عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر الأنصاري نسبه الأندلسي أصلا الفاسي منشأ ودارا،  كان رحمه الله تعالى عالما عاملا ورعا عابدا مفتيا في علوم شتى على مشايخ عدة. و أخد القراءات السبعة على الأستاذ المحقق أبي العباس أحمد الكفيف،  ثم على العالم الشهير مفتي فاس و خطيب حضرتها أبي عبد الله الشريف المري التلمساني و غيرهما. توفي رحمه الله ضحى يوم الخميس ثالث من شهر  ذي الحجة الحرام من عام ألف و أربعين .

 

 

2 هو أبي الحسن علي الأشعري توفي سنة 324هـ 936 م متكلم من الأمة الأعلام

أسس مذهب الأشاعرة كان معتزليا ثم جاهر بخلافهم ولد في البصرة و توفي ببغداد ألف قرابة ثلاثة مائة كتاب منها " الإنابة عن أصول الديانة " و " اللمع في ال رد على أصل الزيغ و البدع" و " مقالات إسلامية " ....

 

3 هو الإمام مالك بن أنس الأصبحي أبو عبد الله توفي سنة (93 هـ 712م) أحد أئمة الأعلام مؤسس المذهب المعروف باسمه و هو أحد المذاهب الفقهية المشهورة في الإسلام أخد عنه الكثير من الأئمة و منهم الإمام محمد بن إدريس الشافعي ولد و توفي بالمدينة المنورة أصله من أسراء حمير (اليمن) من مؤلفاته " الموطأ" " الرد على القدرية" " الرسالة إلى الرشيد" و "المدونة الكبرى" فهو من أجل الكتب في الفقه المالكي رواه الإمام سحنون عن الإمام أبي القاسم عن أمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه.

 

4 هو الإمام الأعظم أبو القاسم الزجاج القواريري الجنيد بن محمد العوفي الكبير ولد و توفي ببغداد تلقى العلوم الفقهية عن الإمام سفيان الثوري المتوفى سنة 161 هـ-778 م و عن  خاله الإمام السري السًقطي المتوفى سنة 253 هـ- 867 م.  فهو سيد الطريقة الصوفية حج ثلاثين حجة ماشيا. أتباعه و مريدوه لا يحصيهم عادهم منتشرون عبر أنحاء العالم.

             

 5  هو الإمام أحمد بن مصطفى بن محمد بن أحمد المستغانمي الشهير بالعلوي و بابن عليوة صوفي كبير زار أقطار المغرب الكبير دخل المشرق و حج و زار إسطنبول (تركيا) و عاد إلى مستغانم حيث التحق بالرفيق الأعلى سنة 1353 هـ - 1934 م قال عنه الأستاذ توفيق المدني وزير الشؤون الدينية في الدولة الجزائرية سابقا في مذكراته و قد ذكر بن عليوة :" لا أزال في حيرة من أمره و لن أزال كيف تمكن من إنشاء طريقة صوفية و هو شبه أمي و كيف كان له سلطانا على الناس و هو لا يكاد يبين" من مؤلفاته "المنح القدوسية" و هي شرح لمنظومة الأمام ابن عاشر على الطريقة الصوفية و غيرها كثير.  قرر تنقية الإسلام من الانحرافات عن طريق القرآن الكريم و السنة النبوية.

 

- أما الطريقة النقشبنذنية فهي طريقة صوفية منسوبة إلى صاحبها الإمام بهاء الدين  محمد  بن أحمد الفاروقي النقشبنذي المتوفى سنة 791 هـ - 1389 م فهو صوفي  كبير. أصله من  بخارى و توفي فيها.

 أسس طريقته و نشرها في الصين و تركستان و الهند و تركيا. من مؤلفاته: الأوراد البهائية" و "سلك الأنوار" و هدية السالكين".

 

و أعلمكم أخيرا سيدي الفاضل أني على استعداد دائم، لتلقي رسائلكم و الجواب عنها بقدر الاستطاعة و المعرفة و باب الموقع مفتوح على مصراعيه لكل من يريد إثراءه، و أجر الجميع على الله تعالى الموفق للصواب..

 

و الله أسأل أن يجعل هذا الموقع صيبا نافعا، ينفع البلاد و العباد، و معينا يسقي كل ظمآن، و أمانا لكل خائف، و ملاذا لكل حائر، و هداية لكل ضال، و دواء ناجعا لكل عليل.. و أن يبارك في كل من ساهم فيه من قريب أو بعيد و أن يرد أمتنا إلى مجدها التليد، و يحميها من داخلها و خارجها من كل سوء و مكروه آمين.

 

                                     و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

                                   

                                     دمتم لأخيكم الشيخ الطاهر بدوي 

 

 



  





   سؤال:

 

انا فتاة ابلغ من العمر 21سنة ادرس بالجامعة .يدرس معي صديق قبائلي لكنه مسيحي انا اريد ان تساعدوني في  اقناعه بالدخول في الاسلام خاصة وان والديه مسلمان. ارجو الرد في اقرب وقت ممكن?



                                                       رد الشيخ الطاهر بدوي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

حضرة السائلة المحترمة متّعك الله وإيانا بالعافية في الدّين والدنيا والآخرة آمين.

 

ردا على برقيتك الوجيزة فإني أنصح لك بما يلي:

 

 

1)    اتصلي بوالدي صديقك المسيحي لتستفسري عن حقيقة أمر تأخره عن اعتناق الدّين الحنيف، وأين وقع التفريط؟ وهل أدّباه والداه وربّياه تربية الإسلام منذ صباه؟ وربما قد فعلا ذالك ثم ارتد هو بعد بلوغه. فعندئذ تكون المسؤولية كاملة على عاتقه وحده. قال تعالى في سورة التغابن{ يا أيها الذين آمنوا إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم. وإن تعفوا وتصفحوا فإن الله غفور رحيم }.(14).

 

 

2)    أرشديه إلى زيارة موقعنا حيث مؤلفاتنا بالعربية والفرنسية فيطّلع على بعضها. هذا كخطوة أولى إن شاء الله تعالى لهدايته .

 

 

3)    أرشديه أيضا إلى الاطلاع على ما أنتجه أهل الاختصاص من علمائنا الأفذاذ من مؤلفات وأشرطة وأقراص حول الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وأعني على وجه الخصوص الأستاذين الجليلين السيد زغلول النجار والسيد عبد المجيد الزنداني وغيرهما كثيرين والحمد لله، حفظهم الله جميعا وجزاهم عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء. لأن العلم في عصرنا الحديث أصبح من أهم الوسائل لإقناع غير المسلمين خاصة على أن الإسلام دين تسامح وحب وسلام وحضارة وازدهار وعلم ومكارم الأخلاق.. فلا يلتفت المنصفون من أنفسهم إذن بعد اطلاعهم على هذه النفائس، إلى سلوك المنحرفين من المسلمين حتى          لا يحكموا على الإسلام بالرجعية والانغلاق نتيجة سوء فهمهم لهذا الدّين. وربما كانت أزمة صديقك المسيحي من هذا القبيل وربما اصطدمت نفسه ببعض التناقضات التي منها الإسلام براء، والله أعلم.

 

 

4)    فإذا كانت نيتك الارتباط به كزوج وزوجة فلا تقدمي على هذا المشروع إلا بعد اعتناقه الإسلام، والدّين الحنيف يجُبُّ ما قبله، لأنك لا تحلين له وهو على ملّة الكفر... ثم استخيري الله تعالى بعد ذالك والله يوفقك في أخذ القرار المناسب ويوفقنا جميعا للخير والصلاح والرشاد آمين.

 

 

5)     والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. 

 

                دمتــــــــــم لأخيكـــــــــم الشيــــــــــخ الطاهـــــــــر بـــــــــــــــــدوي  

 





                                         سؤال:

                

                      

                                          بسم الله الرحمان الرحيم السلام عليكم ورحمته 

.    

       أما بعد ‚

 

 

أنا مواطن جزائري عمري 57سنة، عملت كمدير في مؤسسة تابعة للدولة متخصصة في تربية المواشي و الدواجن وزراعة الحبوب، و في سنة 2000قررت الدولة ضم هذه المؤسسة إلى أخرى متخصصة في إنتاج الكروم (العنب) وعصر الخمر و مساحة قليلة للحبوب.

أفتوني،  مع العلم بأن عمري لا يسمح لي أن أتحول إلى مؤسسة أخرى  أو أجد عمل .



 

                                              رد الشيخ الطاهر بدوي

 

 

الحمد لله حق حمده و الصلاة على من لا نبي بعده سيدنا محمد و على آله و صحبه

 

حضرة عزيزي السائل السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

 

و بعد، فقد قال الله تعالى في سورة الطلاق :" و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب..." و بعد هذه الآية الكريمة يقول جل في علاه في نفس السورة " و من يتق الله يجعل له من أمره يسرا..." و للمرة الثالثة يؤكد فيها نتائج التقوى قائلا:" و من يتق الله يكفر عنه سيئاته و يعظم له أجرا...".

فإني أنصحك كأخ في الله، أن لا تغلق على نفسك كل أبواب الرزق. فالله تعالى يرزقك من حيث لا تدري و يسير لك أمورك و يمنحك المغفرة و الرضوان، إن أنت أقبلت عليه بخالص النية، و إن أنت فوضت أمرك إلى الله فرزقك و أجلك كلاهما لا يفارقك حتى يأتي أمر الله...

 

فالتقوى إذن، أن لا تدمج نفسك مع المخالفين لحدود الله المجاهرين بمعصية الله ببيع الخمور. و أنت تعلم جيدا أن الله سبحانه و تعالى حرم الخمر و الميسر حراما قطعيا و ما على شاكلتهما،  ثم إن النبي صلى الله عليه و سلم لعن الخمر و شاربها و عاصرها و بائعها و حاملها و المحمولة إليه .

 

إذن، فلا تبتغي الخير و النفع فيما لا بركة فيه خشية إملاق، لأن ذلك وسواس اللعين، و لا تشتري النفع الزائل الأثيم بسخط الله و رسوله، و التمس عملا طيبا في غير ما أنت مقدم عليه تجد عوضا نافعا طيبا إنشاء الله تعالى تعيل به نفسك و عائلتك و تضمن لنفسك سعادة الدارين و الله و رسوله أعلم.

 

حفظنا الله و إياك من الزيغ و رزقنا إتباع تنزيل رب العالمين و سنة سيد المرسلين آميـــــــــــــن....

 

    و الــــــــــســــــــــــــلام