دراسات

لبّيك ياقـــدس (تابع للباب الأول-الفصل الرابع )


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
  • متى يستعيد شعب فلسطين أرضه ومكانته بين الأمم
أ- من المسؤول عن احتلال فلسطين؟

     إلى حين قريب جدا كان العرب ينظرون إلى قضية فلسطين على أنها مسألة أخلاقية وهي في الواقع كذلك، والمسؤولية فيها تقع في المكان الأول على بريطانيا لأنها إذا كانت قد تسلمت فلسطين من "عصبة الأمم" أمانة، فإن الالتزام الخلقي كان يقضي بأن تحافظ عليها لأهلها كما أخذتها إلى أن تردها إليهم، أما أن تتاجر بها وتفتح أبوابها لليهود لينشئوا فيها وطنا قوميا لهم في مقابل معاونتها في الحرب العالمية فأمر لا يجوز وهو خطا أخلاقي جسيم.

     وأسوأ من ذلك تعيين هربت صمويل الصهيوني حاكما لفلسطين بناء على ترشيح حاييم وايزمان، لأن هذا الحاكم رسم سياسته كلها على تمكين الصهيونية من فلسطين، وتجريد الفلسطينيين من كل وسيلة للدفاع عن النفس. فملك اليهود الأرض الكافية ليقيموا عليها أساس الدولة وأدخلوا من استطاعوا إدخاله من اليهود واشتروا الأراضي، وأنشؤا القواعد العسكرية والمنظمات المحاربة الكافية لإعلان الدولة الإسرائيلية في نهاية فترة الانتداب.

     وأما مسؤولية اليهود فهي مسؤولية تدبير طويل وعدوان على شعب آمن في أرضه، والاستيلاء على كل أرضه بالقوة والجشع إلى كل ما يجاوره، بحيث لو أمكن الاستيلاء على أي مساحة من أرض الجيران لتم ذلك بقوة السلاح وادعاها المحتل لنفسه.

     والحقيقة أن القضية الفلسطينية قضية سياسية، ومادامت سياسية فمن الطبيعي جدا أن تنتهك فيها الأخلاق والقيم والحقوق وعندما نظر إليها الفلسطينيون من هذه الزاوية منذ حين انفتح أمامهم الطريق لاستعادة حقوقهم في أرضهم وتمكنوا من الحصول على الاعتراف بهم وبحقوقهم من معظم دول العالم ومنظماته، وإذا كان قد ضاع منهم الميدان الذي كانوا يستطيعون منه أن يقوموا بحرب ناجحة لاسترداد بلادهم- وهو جنوبي لبنان- فإن السياسة العاقلة الذكية ستوجد لهم ميادين أخرى للصراع إذا واظبوا وثابروا ولم يفرطوا في حقهم.

     ولم يخطئ الفلسطينيون عندما اعتبروا قضيتهم عربية وهي في الحقيقة كذلك ولكن دول الدنيا في هذا العالم المضطرب المزدحم لا تسمح لها ظروفها بمعاونة شعب آخر بكل المال والسلاح، ومهما كانت المعاونة العربية فهي عاطفية في الغالب، ومالية بعد ذلك في حدود إمكانية كل دولة. ولا يمكن أن تزيد المعاونة العربية على ذلك، ولهذا فإن أكبر خطوة حاسمة في تاريخ النضال الفلسطيني هو قرار المؤتمر الفلسطيني (المجلس الوطني) في القدس في 28 مايو 1964م بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية واعتبارها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني والمتحدث الوحيد باسمه، فقد قامت بذلك هيئة سياسية فلسطينية مستقلة، لها تنظيم حكومي وعسكري ليتولى قضية فلسطين بنفسه. وشيئا فشيئا تتقن هذه الهيئة أساليب العمل السياسي الذي لا يقع في أخطاء جسيمة كأعمال الإرهاب والاعتداء في بلاد آخرين بغرض الانتقام أو لفت النظر، مع تجنب إغضاب الدول الكبرى- والدولتين العظميين بصورة خاصة ـ فإن معاداة هذه الدول لا تأتي بخير، وشيئا فشيئا، ومع الصبر والتدبير واتحاد كلمة الفلسطينين جميعا تسير القضية في طريق السلامة، وهنا تتفتح الظروف والإمكانيات…




mail