دراسات

مقتطف من كتاب: عين الرحمة في العودة إلى الوحدة (11)


بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
موقف الحنيفية السمحة إزاء الوثنية والمشركين

التأمل في مخلوقات الله يذيب كل تقليد ويزيل كل خطأ في التوحيد

     وقد حاط الإسلام إصلاح العقيدة ودوام إصلاحها بأمرين عظيمين هما: التفصيل والتعليل. فأما التفصيل فهو بأمور ثلاثة أولها بتمام الإيضاح لسائر المسلمين وبإعلان فضائح الضالين في العقيدة على اختلاف ضلالهم والإغلاظ عليهم وبسد ذرائع الشرك واجتثاث عروقه، ولذلك نهى عن اتخاذ التماثيل في البيوت وأكد النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (قال الراوي) يُحذّر مما صنعوا.

     وأما التعليل فذلك باستدعاء العقول إلى الاستدلال على وجود الله وعلى صفاته التي دل عليها تنزيهه وأعظم ذلك الاستدعاء إلى النظر في النفس كما قلنا وهو أصل الحكمة.

فالقرآن يكرر الدعوة للنظر: ﴿ قل أنظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾(يونس/101). وقال: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾(الذاريات/21). وقال جل وعز: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾(البقرة/130). والآيات كثيرة لا يعسر العثور عليها عند كل مرور على القرآن، وكذلك الآثار الصحيحة. ولذلك قال علماؤنا أن أول الواجبات على المكلف معرفة الله تعالى: "قال الإمام إبراهيم اللقاني في جوهرته :

     فكل من كلف شرعا وجبا        عليه أن يعرف ما قد وجبا
    لله والجائز والممــتــنـعــا          ومثل ذا لرسله فاستمعـــا        
 إذ كل من قلد في التوحيد          إيمانه لم يخل من ترديــد     

والإمام ابن عاشر يقول في منظومته: 

 أول واجب على من كلفا         ممكنا من نظر أن يعرفــا
  الله والرســــــل بالصفــــات       مما عليه نصب الآيـــات

والمراد بالمكلف البالغ العاقل ويفسر حال المكلف بقوله:                             

وكل تكليف بشرط العقل        مع البلوغ بدم أو حمـــل
  أو بمني أو بإنبات الشعر        أو بثمان عشرة حولا ظهـر     

     قال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني والبقالاني: أول واجب النظر المؤدي إلى المعرفة. وزاد بعض العلماء فقال: الواجب هو الشك المؤدي إلى النظر. وترتب على ذلك خلافا بين علماء الكلام في صحة إيمان المقلد فمنهم من كفره ومنهم من حكم عليه بالإيمان مع المعصية ومنهم من قال أنه مؤمن ولكن الصحيح عندنا أنه مؤمن عاص إن لم يتأمل في مخلوقات الله ولم يتدبر فيها وكان قادرا على النظر وأما إن لم يقدر على النظر وقلد فإيمانه صحيح، وإلى هذا يشير الإمام اللقاني رحمه الله بقوله :                    

ففيه بعض القوم يحكي الخلفا      وبعضهم حقق فيه الكشفا
     فقال : إن يجــزم بقول الغيـر      كفا و إلا لم يزل في الضير        
 واجــزم بأن أولا ممـــا يجــب      معرفة و فيه خلف منتصب   

     إن أكبر أصول عقيدة الإسلام وحدانية الله تعالى وأن جميع المخلوقات من أشرفها إلى أدناها عبيده وإثبات بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنهم عبيده المكرمون. ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلن أنه عبد الله ورسوله وأن الله متنزه عن الحلول في مخلوقاته وأن أشرف البشر يكون بمحل الخوف من الله تعالى. قال عز وجل مبطلا عقيدة النصارى الذين يعتقدون أن الله ثالث ثلاثة، وأن المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ابن الله وأن الله هو المسيح ابن مريم: ﴿لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ﴾(المائدة/17). وقال: ﴿لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة، وما ومن إله إلا إله واحد﴾(المائدة/73). ويعلن أن المسيح عبد الله ورسوله، فقال:﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ﴾(المائدة/74).

     وهاهو يحمل على اليهود والنصارى حملة قاضية تقضي على عقيدة اليهود الذين يزعمون أن عزيرا ابن الله وعلى عقيدة النصارى الذين يعتقدون أن المسيح ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال جل وعز: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾(التوبة/ 30-31).

     فهذه العقيدة التي تقبلها العقول المستنيرة ولا تجافيها الفلسفة الحقة ولأجلها كان المسلمون معصومين من الكفر وهذه من معجزاته عليه الصلاة والسلام فأكد هذه العصمة بقوله في خطبة حجة الوداع: «إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه أبدا ولكن قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم».

     لا جرم أن العقيدة أساس التفكير، وهي الفكرة الأولى للإنسان فيما هو خارج عن حاجته. فإذا ربى العقل على صحة الاعتقاد تنزه عن مخامرة الأوهام الضالة فشب على سير الحقائق والمدركات الصحيحة فعدل عن الباطل وتهيأ لقبول التعاليم الصالحة والعمل للحق.

وإن أمة ينشأ اعتقاد دينها على هذه الأصول تنشأ لا محالة على عزة النفس والاهتمام بالاعتماد على استجلاب الأشياء من أسبابها، ورجاء الإعانة والبركة من خالقها، وذلك يدرب على قوة الإرادة والشعور بالرفعة عن التضليل والأوهام ويدرب على التوكل على الله مع أخذ الأسباب حتى يصل العبد لا يرى في الوجود إلا سناه جل وعلا وهذا المقام من أعلى مراتب الإحسان لأنه مشاهدة جمال الله وجلاله بالبصيرة الصافية وأدناها مرتبة المراقبة لمن ضعفت في السير عزيمته وكلت في المجاهدة نفسه، والله الموفق للصواب.




mail